الشنقيطي
219
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
وذلك في قوله تعالى : قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنا - إلى قوله - إِلَّا قَوْلَ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ [ الممتحنة : 4 ] الآية ، أي فلا أسوة لكم في إبراهيم في ذلك . ولما ندم المسلمون على استغفارهم للمشركين حين قال فيهم : ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ الآية - بيّن اللّه تعالى أنهم معذورون في ذلك ؛ لأنه لم يبين لهم منع ذلك قبل فعله ، وذلك في قوله : وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ [ التوبة : 119 ] . وقوله في هذه الآية : أَ راغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يجوز فيه أن يكون « راغب » خبرا مقدما ، و « أنت » مبتدأ مؤخرا ، وأن يكون « أراغب » مبتدأ و « أنت » فاعل سد مسد الخبر . ويترجح هذا الإعراب الأخير على الأول من وجهين : الأول - أنه لا يكون فيه تقديم ولا تأخير ؛ والأصل في الخبر التأخير كما هو معلوم . الوجه الثاني - هو ألا يكون فصل بين العامل الذي هو « أراغب » وبين معمولة الذي هو « عن آلهتي » بما ليس بمعمول للعامل ؛ لأن الخبر ليس هو عاملا في المبتدأ ، بخلاف كون « أنت » فاعلا ؛ فإنه معمول « أراغب » فلم يفصل بين « أراغب » وبين « عن آلهتي » بأجنبي ، وإنما فصل بينهما بمعمول المبتدأ الذي هو فاعله الساد مسد خبره . والرغبة عن الشيء : تركه عمدا المزهد فيه ، وعدم الحاجة إليه ، وقد قدمنا في سورة « النساء » الفرق بين قولهم : رغب عنه ، وقولهم : رغب فيه في الكلام على قوله تعالى : وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ [ النساء : 127 ] الآية . والتحقيق في قوله « مليا » أن المراد به الزمن الطويل ومنه قول مهلهل : فتصدعت صم الجبال لموته * وبكت عليه المرملات مليا وأصله واوي اللام ؛ لأنه من الملاوة وهي مدة العيش . ومن ذلك قيل الليل والنهار . الملوان : ومنه قول ابن مقبل : ألا يا ديار الحي بالسبعان * أمل عليها بالبلي الملوان وقول الآخر : نهار وليل دائم ملواهما * على كل حال المرء يختلفان وقيل الملوان في بيت ابن مقبل : طرفا النهار . وقوله إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا ( 47 ) أي لطيفا بي . كثير الإحسان إليّ . وجملة وَاهْجُرْنِي [ مريم : 46 ] عطف على جملة لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ [ مريم : 46 ] وذلك دليل على جواز عطف الجملة الإنشائية على الجملة الخبرية ، ونظير ذلك من كلام العرب قول امرئ القيس : وإن شفائي عبرة إن سفحتها * وهل عند رسم دارس من معول فجملة « وإن شفائي » خبرية ، وجملة « وهل عند رسم » الخ إنشائية معطوفة عليها .